فخر الدين الرازي

163

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ويمكن أن يقال معناه أنهم قليلو الخير في الحالتين كثير والشر في الوقتين في الأول يبخلون ، وفي الآخر كذلك . ثم قال تعالى : أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً يعني لم يؤمنوا حقيقة وإن أظهروا الإيمان لفظا فأحبط اللّه أعمالهم التي كانوا يأتون بها مع المسلمين وقوله : وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً إشارة إلى ما يكون في نظر الناظر كما في قوله تعالى : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] وذلك لأن الإحباط إعدام وإهدار ، وإعدام الأجسام إذا نظر الناظر يقول الجسم بتفريق أجزائه ، فإن من أحرق شيئا يبقى منه رماد ، وذلك لأن الرماد إن فرقته الريح يبقى منه ذرات ، وهذا مذهب بعض الناس والحق هو أن اللّه يعدم الأجسام ويعيد ما يشاء منها ، وأما العمل فهو في العين معدوم وإن كان يبقى يبقى بحكمه وآثاره ، فإذا لم يكن له فائدة واعتبار فهو معدوم حقيقة وحكما فالعمل إذا لم يعتبر فهو معدوم في الحقيقة بخلاف الجسم . ثم قال تعالى : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 20 إلى 21 ] يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً ( 20 ) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ( 21 ) أي من غاية الجبن عند ذهابهم كانوا يخافونهم وعند مجيئهم كانوا يودون لو كانوا في البوادي ولا يكونون بين المقاتلين مع أنهم عند حضورهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كما قال تعالى : / وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا . ثم قال تعالى : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 22 ] وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيماناً وَتَسْلِيماً ( 22 ) لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين وهو أنهم قالوا هذا ما وعدنا اللّه من الابتلاء ثم قالوا : وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ في مقابلة قولهم : ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [ الأحزاب : 12 ] وقولهم : وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ليس إشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق اللّه قبل الوقوع وإنما هي إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا : هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وقد وقع وصدق اللّه في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس وقوله : ما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً بوقوعه وتسليما عند وجوده . ثم قال تعالى : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 23 إلى 25 ] مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ( 23 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 24 ) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ( 25 ) إشارة إلى وفائهم بعهدهم الذي عاهدوا اللّه أنهم لا يفارقون نبيه إلا بالموت فمنهم من قضى نحبه أي قاتل حتى قتل فوفى بنذره والنحب النذر ، ومنهم من هو بعد في القتال ينتظر الشهادة وفاء بالعهد وما بدلوا تبديلا بخلاف المنافقين فإنهم قالوا لا نولي الأدبار فبدلوا قولهم وولوا أدبارهم وقوله : لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ أي بصدق ما وعدهم في الدنيا والآخرة كما صدقوا مواعيدهم ويعذب المنافقين الذين كذبوا وأخلفوا